الذهبي
34
سير أعلام النبلاء
قلت : ما تركوا عكرمة - مع علمه - وشيعوا كثيرا إلا عن بلية كبيرة في نفوسهم له رضي الله عنه . وروى يحيى بن بكير ، عن الدراوردي قال : مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فما شهدهما إلا سودان المدينة . وقال نوح بن حبيب : ماتا في يوم ، فقال الناس : مات فقيه الناس ، وشاعر الناس . البخاري وغيره ، عن علي بن المديني قال : مات عكرمة بالمدينة سنة أربع ومئة ، رواها يعقوب الفسوي عن علي فزاد ، قال : فما حمله أحد ، اكتروا له أربعة . وقال علي بن عبد الله التميمي ، ومصعب بن عبد الله ، وابن نمير ، والفلاس ، وأبو عبيد ، وشباب ، وابن يونس ، مات سنة خمس ومئة . وكذا نقل أبو الحسن بن البراء عن ابن المديني . قال التميمي وابن يونس : وهو ابن ثمانين سنة . وقال الواقدي : حدثتني بنته أم داود أنه توفي سنة خمس ومئة . وقال الهيثم بن عدي وأبو عمر الضرير : مات سنة ست ومئة ، والأصح سنة خمس . وقال أبو معشر السندي ، وأبو نعيم ، وابن أبي شيبة ، وأخوه عثمان ، وهارون بن حاتم ، وقعنب بن المحرر : مات سنة سبع ومئة ، وقيل غير ذلك . خرج له مسلم مقرونا بطاووس في الحج ، فالذين أهدروه كبار ، والذين احتجوا به كبار ( 1 ) والله أعلم بالصواب .
--> ( 1 ) قال أبو جعفر بن جرير الطبري : ولم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدم في العلم بالفقه والقرآن وتأويله ، وكثرة الرواية للآثار ، وأنه كان عالما بمولاه ، وفي تقريظ جلة أصحاب ابن عباس إياه ، ووصفهم له بالتقدم في العلم ، وأمرهم الناس بالأخذ عنه ما بشهادة بعضهم تثبت عدالة الانسان ، ويستحق جواز الشهادة ، ومن ثبتت عدالته ، لم يقبل فيه الجرح ، وما تسقط العدالة بالظن ، وبقول فلان لمولاه : لا تكذب علي وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه إليه أهل الغباوة ، ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب . وقال ابن مندة في " صحيحه " : وأما حال عكرمة في نفسه ، فقد عدله أمة من نبلاء التابعين ، فمن بعدهم ، وحدثوا عنه ، واحتجوا بمقاريده في الصفات والسنن والاحكام ، روى عنه زهاء ثلاث مئة رجل من البلدان منهم زيادة على سبعين رجلا من خيار التابعين ورفعائهم ، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير من التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه ، ولم يستغنوا عن حديثه ، وكان يتلقى حديثه بالقبول ، ويحتج به قرنا بعد قرن ، وإماما بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح ، وميزوا ثابته من سقيمه ، وخطأه من صوابه ، وأخرجوا روايته ، وهم البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، فأجمعوا على إخراج حديثه ، واحتجوا به على أن مسلما كان أسوأهم رأيا فيه ، وقد أخرج عنه مقرونا وعدله بعدما جرحه .